مؤلف مجهول
299
كتاب في الأخلاق والعرفان
المطر وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ « 1 » . دلّت الآية [ على ] أنّ الإخلاص سبب قبول الأعمال وتضعيف الجزاء ، وأنّ عمل المخلص لا يضيع في الدّنيا والآخرة ، والانتفاع به حاصل في الفناء والبقاء . وقال تعالى ذكره : وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ثمّ أعرض عن الجواب إعظاما للحال ، ثمّ ابتدأ فقال : وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً ثمّ استأنف الزّجر عن ذميم الفعل والتّعيير على خبث السّعي واللوم على ترك الواجب ، فقال : وَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعني أيقنوا وصدّقوا وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ إرادة الثّواب والنّجاة من العقاب وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ يعني لا يبطل من أعمال العبد وزن ذرّة ، وهي أصغر شيء في الوجود وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يعني خالصة للّه من كدر الرّئاء وغبار العجب يُضاعِفْها يعني يزيدها ذكرا واسما وثوابا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً « 2 » . وقد نهى اللّه تعالى عن الأسوة بالمرائين ، فقال : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ « 3 » . ثمّ كشف عن ذميم عاقبة المرائي وما يحلّ به من النّدم ، فقال : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها يقول : بعمله الذي فرضنا عليه نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها يعني نعجّلهم ما طلبوا ونوصل إليهم ما أرادوا بأعمالهم وَهُمْ فِيها يعني في الدّنيا لا يُبْخَسُونَ يعني لا ينقصون به مطلوبهم . وقيل : لا ينقص عقوبتهم في الآخرة . ثمّ صرّح البيان فقال : أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ على خبث سرائرهم وفساد ضمائرهم وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وهو عدم الانتفاع بما عملوا في دار الدّنيا إرادة الثّناء وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ « 4 » .
--> ( 1 ) . البقرة : 265 . ( 2 ) . النّساء : 40 - 39 . ( 3 ) . الأنفال : 47 . ( 4 ) . هود : 15 - 14 .